يوسف حكمي ⃰
حين يصبح النضال الكونفدرالي الديمقراطي خياراً استراتيجياً والوفاء للمبادئ فعلاً تنظيمياً في لحظة وطنية يتراجع فيها المعنى الديمقراطي، وتُختزل فيها العدالة الاجتماعية في أرقام وخطابات، يصبح التنظيم النقابي الديمقراطي فعلاً مقاوماً لا مجرد إطار.

ومن هذا المعنى بالذات، يكتسب ما جرى بوجدة دلالته العميقة، باعتباره ترجمة عملية لاختيار تاريخي ظل يميّز الكونفدرالية: النضال الديمقراطي كخيار استراتيجي، والتشبث بالمبادئ المؤسسة والوفاء لها مهما تغيّرت السياقات.
إن تأسيس أول مكتب جهوي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بجهة الشرق، هو أكيد، فعل سياسي ونقابي في آن واحد، لا لأنه يهم هذه الجهة فقط، بل لأنه يندرج ضمن مواجهة التمييز المجالي كبنية وطنية، تمس جهات متعددة بدرجات متفاوتة، وتكشف محدودية المقاربات الحكومية التي ما تزال عاجزة عن تحقيق عدالة ترابية فعلية تضمن نفس الحقوق والفرص لجميع المواطنات والمواطنين.
جهة الشرق هنا ليست استثناءً، بل مثالاً دالاً على اختلال أوسع، يجعل من التنظيم النقابي الديمقراطي أداة مقاومة جماعية لمنطق التفاوت، ووسيلة لربط النضال الاجتماعي بالبعد الترابي، انطلاقاً من القناعة، بأن العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن العدالة المجالية، وأن التنظيم هو الجواب الواقعي على التهميش.
وقد تم هذا المسار بمدينة وجدة عبر مرحلتين متكاملتين: مرحلة تنظيمية، جرى خلالها انتخاب المكتب الجهوي في أجواء ديمقراطية ومسؤولة، بما يؤسس لشرعية تنظيمية حقيقية؛ ومرحلة تواصلية جماهيرية، شكّلت لحظة سياسية ونقابية بامتياز، كانت فيها كلمة الكاتب العام لحظة تأطير وتعبئة، وربطٍ واضح بين رهانات الجهة والمعارك الوطنية للشغيلة.
وبهذه المناسبة، نثمن عالياً الدور الذي لعبه المكتب التنفيذي للكونفدرالية، وعلى رأسه الأخ خالد هوير العلمي، في إنجاح هذا الورش التنظيمي، باعتباره خياراً استراتيجياً يروم استكمال البناء الكونفدرالي على أسس ديمقراطية ووحدوية، وفي وفاء صريح للمبادئ المؤسسة التي قامت عليها المنظمة. كما نحيي الأخ نجيب اجعير، بمناسبة تحمّله مسؤولية أول كاتب جهة في التاريخ الكونفدرالي بجهة الشرق. إنها مسؤولية تاريخية تتجاوز حدود الجهة، لأن الرهان اليوم لا يقتصر على بناء هيكلة تنظيمية، بل على ترسيخ الثقة، وتأطير الوعي، وربط النضال اليومي للشغيلة بالأفق الديمقراطي والاجتماعي العام.

إن هذا التأسيس، يندرج ضمن دينامية كونفدرالية شاملة، وفية لخطها ومبادئها، ومنخرطة في الترافع عن القضايا الأساسية للشغيلة، وفي مقدمتها: الحماية الاجتماعية باعتبارها حقاً كونياً لا امتيازاً، الحوار الاجتماعي كمؤسسة دائمة لا كطقس موسمي، مواجهة العمل الهش والاقتصاد غير المهيكل، فرض التطبيق الفعلي لمدونة الشغل، وترسيخ العمل اللائق كأفق للكرامة والاستقرار الاجتماعي، إضافة إلى تحسين الأجور والوضعية المادية للشغيلة، ارتباطاً بالارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، بما يضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية.
ما تحقق بجهة الشرق، هو رسالة تتجاوز الجغرافيا: أن النضال الديمقراطي خيار استراتيجي لا بديل عنه، وأكيد أن الوفاء للمبادئ المؤسسة هو شرط المصداقية والاستمرارية، وأن التنظيم الديمقراطي هو الجواب الحقيقي على التفاوتات، أينما كانت. ومن هنا، فإن الرهان لا يقف عند هذه المحطة، بل يتطلب مواصلة صرح البناء التنظيمي الجهوي، تعزيزه، وتوسيعه، وتحصينه ديمقراطياً، حتى تصبح الجهات رافعة فعلية للنضال الاجتماعي، وجزء عضوياً من قوة الكونفدرالية ووحدتها وقدرتها على التغيير.
⃰عضو المجلس الوطني الكونفدرالي












