عبد الواحد الحطابي
انعقد صباح أمس السبت 17 يناير 2026 المجلس الوطني للوظيفة العمومية بالمقر المركزي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالدارالبيضاء، واعتبرت كلمة المكتب التنفيذي التي قدما في أشغال الدورة عبد القادر عمري عضو المكتب التنفيذي بحضور الكاتب العام خليد هوير العلمي إلى جانب عضوات وأعضاء المكتب التنفيذي أن هذا الاجتماع يشكل امتداداً طبيعياً ومباشراً للنجاح السياسي والتنظيمي الكبير الذي حققه المؤتمر الوطني السابع.
ولفتت كلمة المكتب التنفيذي في الاجتماع الذي سير جلسته نائب الكاتب العام يونس فراشن، أن المؤتمر الذي لم يكن فحسب مجرد محطة تنظيمية عادية، بل لحظة أكدت من جديد قوة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وصلابة خطها النضالي، وقدرتها على تجديد ذاتها والانتصار لاختياراتها الديمقراطية المستقلة، مبرزة أن انعقاد هذا المجلس اليوم، يأتي محمولاً بزخم المؤتمر الوطني السابع، وبما راكمه من وعي جماعي وثقة في النفس ووحدة في الصف، ونحن اليوم تقول أرضية قيادة المنظمة "أمام مسؤولية تحويل خلاصات المؤتمر إلى فعل نضالي وتنظيمي ملموس داخل قطاعات الوظيفة العمومية."
الدولة تخضع الخدمات العمومية لمنطق السوق والربح
اعتبر المكتب التنفيذي أن انعقاد اجتماع المجلس الوطني للوظيفة العمومية يأتي في سياق وطني ودولي بالغ التعقيد، يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وبمحاولات متواصلة لإعادة تشكيل دور الدولة، ليس باعتبارها دولة راعية وضامنة للحقوق الاجتماعية، بل كدولة حد أدنى، تفرغ المرفق العمومي من مضمونه الاجتماعي، وتُخضع الخدمات العمومية لمنطق السوق والربح.
وأبرز في أرضيته أنه يتم في اطارها، تمرير هذه الاختيارات عبر خطاب تمويهي يروج للأزمة، ويُحمل الموظفات والموظفين مسؤولية فشل سياسات عمومية لم يكونوا طرفاً في صياغتها، في مقابل الترويج لنموذج القطاع الخاص باعتباره الحل السحري لكل الأعطاب. إن ما يسمى بإصلاح الوظيفة العمومية هو في جوهره إصلاح تحويلي يستهدف إدخال منطق التدبير المقاولاتي، وتكريس المرونة والهشاشة، وضرب الاستقرار المهني، والمساس بالأنظمة الأساسية والأجور والترقية والحماية الاجتماعية.

تنامي الاحتقان الاجتماعي واتساع رقعة النضالات
شددت قيادة المنظمة في هذا الاجتماع، أن هذه الاختيارات، لم تبق حبيسة النصوص والتقارير، بل بدأت آثارها الملموسة تظهر تقول "داخل مختلف قطاعات الوظيفة العمومية"، وهو ما يفسر بحسب نظرها، تنامي الاحتقان الاجتماعي واتساع رقعة النضالات، كما تعكس واقع حالها عدد من القطاعات ذكرت الكلمة منها على سبيل المثال لا الحصر، قطاع الصحة، التي يخوض موظفات وموظفو القطاع معارك نضالية قوية دفاعاً عن الحق في صحة عمومية وعن كرامة العاملين بها، في مواجهة تفكيك المنظومة الصحية وتعميم منطق الوكالات والتدبير المفوض وضرب الاستقرار المهني وتهميش الموارد البشرية؛ وكذا، قطاع التعليم العالي، التي تتواصل النضالات من أجل رفض منطق تفويت الجامعات العمومية و ضرب استقلاليتها العلمية و فتح الباب لتدخل ارباب المقاولات في تدبيرها، وكذلك من أجل تقول "تسوية الأوضاع الإدارية والمهنية واحترام المسارات والترقيات وإنهاء التمييز بين الفئات وتنفيذ الالتزامات المتراكمة، في ظل تجاهل حكومي مزمن لمطالب عادلة ومشروعة".
كما توقفت الكلمة في الإطار ذاته، عند قطاعات التجهيز الذي يعرف بدوره احتقاناً متزايداً بسبب تدهور الأوضاع المهنية وتجميد الملفات المطلبية وغياب الإنصاف، وموظفي قطاع الصيد البحري الذين يواصلون نضالاتهم من أجل الاعتراف بحقوقهم وتحسين شروط العمل وتنفيذ الالتزامات القطاعية، وقطاع التشغيل، حيث سجلت أرضية المكتب التنفيذي مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي حول العدالة الاجتماعية وواقع هشاشة الأوضاع المهنية وعدم احترام الالتزامات. أما قطاع التربية الوطنية، فيظل من أبرز تجليات أزمة الحوار الاجتماعي، حيث بقيت الالتزامات الحكومية المعلنة في إطار الحوار المركزي والقطاعي دون تنزيل فعلي، هذا في حين كشف المصدر ذاته، أن الهيئات المشتركة (المهندسين، المتصرفين، التقنيين، المساعدين التقنيين والمساعدين الإداريين) تعرف اختلالات بنيوية تمس أدوارها وفعاليتها، في ظل عدم احترام مخرجات الحوار الاجتماعي المركزي المتعلقة بمراجعة الأنظمة الأساسية، لافتا الى الاحتقان السائد في عدد آخر من قطاعات الوظيفة العمومية.
واعتبرت القيادة الجديدة للمنظمة، أن هذه المعارك، على تنوعها، ليست معارك معزولة ولا فئوية، بل تعبير جماعي عن فشل السياسات العمومية، وعن أزمة حقيقية في الحوار الاجتماعي، وهي في الآن نفسه، فرصة تاريخية لإعادة بناء وحدة نضالية داخل الوظيفة العمومية على أساس برنامج واضح وأفق مشترك؛ وهذا ما أكده تقول "المؤتمر الوطني السابع"، حين شدد تضيف "على أن الدفاع عن الوظيفة العمومية هو دفاع عن الدولة الاجتماعية الحقيقية وعن حق المواطنات والمواطنين في خدمات عمومية مجانية وجيدة، وأن قوة النقابة لا تُقاس فقط بحدة الخطاب، بل بقدرتها على التنظيم والتأطير وبناء ميزان قوى حقيقي داخل مواقع العمل".

سؤال التنظيم .. السؤال المركزي في هذه المرحلة
لفتت أرضية المكتب التنفيذي، أنه ومن قلب هذا السياق، يبرز سؤال التنظيم، باعتباره من منظور المنظمة يشكل السؤال المركزي في هذه المرحلة، مبرزة أن المعارك النضالية، مهما كانت مشروعيتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تُسند بتنظيم قوي ومنتظم ومتجذر. ويعتبر من جانبه انطلاقا من هذه المقاربة والقراءة التحليلية، يفرض على المنظمة وقفة نقدية صريحة مع الأوضاع التنظيمية للكونفدرالية داخل قطاعات الوظيفة العمومية، من حيث انتظام الأجهزة، وحجم الإنخراطات، وقوة الحضور المحلي والإقليمي والجهوي، ومدى التحام النقابات الوطنية بالاتحادات المحلية، وقدرتها على استقطاب فئات واسعة من الموظفات والموظفين، في مواجهة تنامي الفئوية والتشتت.
الاستحقاقات المهنية ليست موعدا انتخابيا تقنيا
بل محطة سياسية ونقابية بامتياز
في هذا السياق أوضح المكتب التنفيذي في اجتماع المجلس الوطني للوظيفة العمومية التي شكلت قطاعتها القوة التاريخية في تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن الاستحقاقات المهنية لسنة 2027 تكتسي أهمية خاصة، ليس باعتبارها موعداً انتخابياً تقنياً، بل محطة سياسية ونقابية بامتياز، يتحدد من خلالها ميزان القوى داخل الوظيفة العمومية، وتتقوى أو تضعف القدرة التفاوضية للنقابة. وأبرز في ذات الآن، أن هذه الانتخابات ليست منفصلة عن المعارك الجارية، بل امتداد لها واختبار حقيقي لقدرة الكونفدراليين على تحويل الاحتقان الاجتماعي إلى قوة تنظيمية وتمثيلية، وربط النضال اليومي بالرهان الديمقراطي داخل المؤسسات العمومية.
وسجل الأرضية، أن التحضير لهذه المحطة، يقتضي عملاً تراكميّاً ينطلق من الآن، حددت مداخله في العمل على تجميع الملفات المطلبية في أفق ملف مطلبي تركيبي للوظيفة العمومية، وتوحيد النضالات، وتأهيل المناضلات والمناضلين قانونياً وتنظيمياً، وإعادة بناء الهياكل، وامتلاك معطيات دقيقة حول واقعنا التنظيمي.
الدعوة إلى الارتقاء بالتنظيم والنضال الكونفدرالي إلى مستوى التحديات
واعتبر عبد القادر عمري في الكلمة التي قدمها باسم المكتب التنفيذي، أنه بانعقاد المجلس الوطني للوظيفة العمومية، فإن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تفتح نقاشاً ومسارا ممتدا. لافتا أن ما طُرح على أنظار الاجتماع، ليس أجوبة نهائية، بل دعوة صريحة من المنظمة لتحمّل المسؤولية الجماعية في لحظة يصفها المتحدث بـ"الدقيقة" من تاريخ الوظيفة العمومية ومن تاريخ المركزية.

وأوضح المتحدث انطلاقا من الأرضية، أن حجم الهجوم الذي يطال المرفق العمومي، واتساع رقعة الاحتقان داخل القطاعات، وغياب الوفاء بالالتزامات الحكومية، كلها معطيات تضع الجسم الكونفدرالي أمام واجب واضح حدّد مدخله في الارتقاء بالتنظيم والنضال الكونفدرالي إلى مستوى التحديات، أو ترك المجال لمزيد من التراجع والتفكك. مبرزا أن نجاح المؤتمر الوطني السابع منح المنظمة قوة دفع حقيقية، لكنه في الآن نفسه حمّلنا يقول "مسؤولية جسيمة، مسؤولية تحويل الثقة التي عبّرت عنها القواعد إلى فعل تنظيمي يومي داخل القطاعات والمؤسسات، وإلى حضور نقابي فعلي في مواقع العمل".
واعتبر المكتب التنفيذي في عرضه السياسي والتنظيمي أمام المجلس الوطني لقطاع الوظيفة العمومية أن المسؤولية اليوم تتمثل في الربط بين ما يخوضه مناضلو الكونفدرالية في الصحة والتعليم العالي والتجهيز والصيد البحري والتشغيل والتربية الوطنية وباقي القطاعات، وبين أفق موحّد للدفاع عن الوظيفة العمومية، بعيداً عن العزلة والفئوية. مشددا أن المرحلة المقبلة، بما تحمله من استحقاقات وعلى رأسها انتخابات 2027، لن تُربح بالخطاب وحده، بل بالعمل القاعدي المنظم، وبإعادة بناء الثقة، وبالقدرة على تحويل كل معركة مطلبية إلى لبنة في معركة التمثيلية والقرار، وهذا يفرض علينا جميعاً، دون استثناء يشدد المصدر عينه، إعادة طرح سؤال التنظيم بجرأة، وفتح نقاش صريح حول أوضاع ونقاط قوة ونقاط ضعف في هذا الإطار، من أجل يقول "تصحيح المسار وتقوية البناء."
رهانات المرحلة المقبلة
في سياق متصل، اعتبرت قيادة المركزية العمالية، أن المرحلة المقبلة تفرض على مكونات الكونفدرالية الديمقراطية الاشتغال بمنطق التعاقد النضالي والتنظيمي، لا بمنطق التدبير الظرفي، وعلى الربط بين القول والفعل، وبين التشخيص والتنزيل، والالتزام الجماعي بجعل الدفاع عن الوظيفة العمومية محوراً مركزياً في العمل النقابي الكونفدرالي، وعلى اعتبار الملفات المطلبية داخل القطاعات المختلفة ملفات مترابطة في جوهرها، لا يجوز التعامل معها بمنطق التجزئة أو العزلة، والالتزام بتحويل كل معركة قطاعية، إلى رافعة لتعزيز وحدة النضال داخل الوظيفة العمومية، وإلى فرصة لتقوية التنظيم واستعادة الثقة في العمل النقابي الجاد.
المجلس الوطني للوظيفة العمومية ليس محطة عابرة،
بل حلقة تعاقد نضالي وتنظيمي
وصلة بهذا الرؤية التنظيمية للمنظمة، يؤكد المكتب التنفيذي في أرضيته، أن المجلس الوطني للوظيفة العمومية بهذا التعهد الجماعي، وبهذه اللغة الواضحة، ليس محطة عابرة، بل حلقة تعاقد نضالي وتنظيمي، نُحاسَب فيه يقول "على ما نلتزم به، ونُقاس بمدى قدرتنا على تحويل الالتزام إلى ممارسة، والممارسة إلى قوة تغيّر ميزان القوى داخل الوظيفة العمومية"، مشددا الالتزام بأن يكون تعامل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مع الحوار الاجتماعي، المركزي والقطاعي، تعاملاً مبنياً على الوضوح والصرامة، وعلى مواجهة كل تماطل أو إخلال حكومي بمواقف مسؤولة ومؤطرة، تُوازن بين النضال والقدرة على التراكم، وتحفظ استقلالية القرار النقابي؛ وكذا، على الالتزام الجماعي بإعادة الاعتبار للعمل التنظيمي القاعدي، عبر تقوية الفروع والهياكل، وضمان انتظام الأجهزة واحترام دوراتها، وتوسيع قاعدة الانخراط، وتأهيل المناضلات والمناضلين، وربط التمثيلية بالمحاسبة والمسؤولية. ونلتزم بتأهيل حضور الكونفدرالية داخل اللجان الثنائية، حتى تقوم بدورها الحقيقي في الدفاع عن الحقوق، وتكون امتداداً فعلياً للنضال داخل مواقع العمل.
وعلاقة بالاستحقاقات المقبلة، شددت قيادة المنظمة في هذا اللقاء التنظيمي، على العمل بالجدية والمسؤولية الضرورية، للاستعداد المبكر والجدي لمعركة الانتخابات المهنية لسنة 2027، باعتبارها معركة تمثيلية وتقوية الموقع التفاوضي للمنظمة.
لافتة أن التزام في هذا الخصوص، يبدأ من الآن، ببناء قاعدة معطيات دقيقة، وتقييم التجربة السابقة بجرأة، وتصحيح الاختلالات، وربط النضال اليومي بالأفق الانتخابي، انسجاماً مع خلاصات المؤتمر الوطني السابع، ومع خط الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.












