الديمقراطية العمالية

التنمية الثقافية بين الفعل الثقافي وأنسنته (1 / 3)

الديمقراطية العمالية

عبد الإله محرير

 الثقافة هي مجهود مستمر يجمع بين العمل والترفيه والحب في إطار تناغم مبني على قاعدة اجتماعية، حيث كل فرد يتكلم لغته دون أن يجهل لغة الآخرين، والمصالح المختلفة تنسج على قاعدة مشتركة، فالمجتمعات المقبلة أو المجتمعات الجديدة ستكون في حاجة إلى كل أفرادها، على مستوى تصحيح التفاوتات المادية، وعلى مستوى المشاركة في تنمية الثقافة التي تجد مكانها في الحياة اليومية، في العمل، في الترفيه وفي كل الممارسات...

كل إنسان، انطلاقا من أصوله، ووسطه واختياراته يشكل مقاربة ثقافية. يتعلق الأمر بتحليل الفعل الثقافي وتعبيره وآفاقه، علما أنه عند دراسة طقوس وتعبيرات أية جماعة و أي مجتمع و أي شعب، يظهر جليا أن المجال الثقافي ليس له حدود. الميتولوجيا، اللغة، الممارسات، الطقوس الشعائرية والاحتفالات، كل هذا يشكل ما يمكن تسميته بالثقافة، وبالتالي ليس هناك تعريف محدد ومضبوط للثقافة. لكن هناك عمليا، ترجمة لعالم متحرك يبدي تعبيرات تترجم ضمنيا الجانب المتعلق بالإدراك الحسي والشعور والخيال والتأمل، هذا التفاعل يؤدي إلى الانسجام مع وداخل هذا العالم المتحرك. بل ويتجاوزه بالفعل الثقافي الفني والإبداعي، تعلق الأمر بالتأويل، المزاج، الإخراج، التعديل لمحصول و منتوج الواقع، أو بارتداد التأمل على الواقع، علما أن هذا الانعكاس يدخل كذلك في الواقع ويساهم في تعديله.

الثقافة هي كل لا يتجزأ، تأخذ شكلا حسب المعطيات الزمانية والمكانية، وتشريعات عرفية، أحيانا عجيبة! تنبثق عن الأذواق، الأحاسيس، الانفتاح، الفضول، الاكتشاف والحب. الثقافة ضرورية للإنسان في البحث عن السعادة والتوازن، دونها ينتعش الجهل والعنف، ويتراجع مستوى الشعوب ويكثر التلاعب بالأخلاق والقيم.

الكل يتفق على أنه ليس للثقافة معنى محددا، هل هي مجموع المعارف التي تؤهل الفكر لتطوير معناه النقدي وذوقه ورأيه وأحكامه؟ هل هي مرادف للحضارة أم أنها كما قال ادوارد هيريو:" الثقافة هي ما تبقى عن نسيان كل شيء"؟ هل ما اعتمدته الفلسفة كتعريف يجيب على جميع الأسئلة والتساؤلات، أي أنها " ما ينقل عن الأجيال السابقة من مجموع الاعتقادات والحقائق التي تعطيها قوة الصواب لأنها تعلم كحقيقة في السن الذي يكون فيه الفرد لا يكتسب وسائل التمييز"، وهذا يشكل دوغمائية مفروضة على العقل. بينما التطور الطبيعي لكل ثقافة يكمن في إعطاء العقل إمكانيات القدرة على التفكير والتقييم والتمييز، وليس فرض حقائق جامدة. الثقافة تمنح للفكر القدرة على إعادة تقييم هذه الحقائق حسب الزمان والمكان، علما أن مقارنة ثقافة بأخرى تساعد على تطوير المعرفة وتؤكد الحقائق أو ترفضها.

الثقافة ليست محايدة

عبر مراحل التاريخ لم تكن هناك يوما ثقافة محايدة، فهي تعكس منطق القوة في سياق اجتماعي- سياسي،  فكل فعل سياسي يعكس مقاربة ثقافية.

في هذا الإطار يدخل العامل الإيديولوجي، وما يصاحبه من تدابير دفعت باختراع تقنيات جد متطورة تسمح بالبث الواسع أو التقليص إلى أدنى الحدود للمعلومة والمعرفة أو تشويهها، وكذلك بتوجيه أو استغلال الخبر و التواصل، و بالتالي التحكم القبلي في إنتاج الثقافات ونشرها عبر كثير من الوسائل. وبما أن التعامل مع الثقافة يخضع إذن لعلاقة مزدوجة ترتبط  باستهلاك الثقافة من جهة، وبالخلق والاختراع والمشاركة في إنتاجها من جهة أخرى، فإن التحكم فيها وضبطها وتحصينها لا يتم إلا بتنميتها، وجعل كل فرد، وبالتالي كل جيل يقبل ويستهلك ويطور تعبيرات عصره.

الثقافة وعبقرية الشعوب

العلاقة بالثقافة تحددها هواجس فهم المعطيات التاريخية مكانا و زمانا  للعبقرية الخصوصية لكل شعب، تعبيراته التاريخية وتراثه، تعبيرات حياته اليومية، تعبيرات قيم مرحلة معينة مرورا عبر الأجيال. فمنذ الإنسان البدائي عرفت الإنسانية عدة تحولات عبر مراحل التاريخ، إلى أن جاء الفن اليوناني مستغلا كل الذكاء: الفكر المنطقي ووضوح أفكار المبدعين، هذا الفن عرّف أكثر بشخصية الإنسان، وعكس الحياة كما كانت تعاش قبل 25 قرنا من طرف شعب خلاق ونشيط. لقد استطاعت الإنسانية الاحتفاظ بهذا الموروث الثمين الذي شكّل أسس عصر النهضة – Renaissance –، أي إعادة الحياة بإعادة اكتشاف أفلاطون.

عبقرية الشعوب رفعت من وثيرة التحولات بفعل التقدم التقني الذي أصبح يساهم بنسبة كبيرة في التعديلات التي تطور الثقافة، باختراع وسائل متطورة للتعامل مع الحاجة، وكذلك التعبير السينمائي الذي يسمح بإخراج مغاير للواقع ويطوره. وبهذا الخصوص فالتكنولوجيا سمحت للإنسان بأن يرى نفسه يعيش، ويعرف ما يميزه. وهذا يؤهل للنقد والتصحيح والابتكار والانتاج.

الثقـافـة والإنتـاج

إذا كانت العلاقة بالإنتاج تطبع ثقافة شعب في العمل، فهذا الشعب بتراثه وأصوله، ثرواته وعبقريته، يحدد أشكال ثقافته، لأن الثقافة ليست بالفعل النخبوي، بل هي التي تنتج النخبة، أي النخبة المبررة، وليس بمفهوم النخبة أولا، بمنطق أن الخلق يعني السبق كما هو مكرس في مجال الاختراع للحفاظ على المكتسب الفردي أي حقوق الإنتاج. وهذا محفز واحتكاري في آن واحد لأنه يعطي الحق للسبق ويحرم الآخر من فخر اختراع مكرر، وضمنيا يخلق نخبة محتكرة للامتياز. وبما أن الثقافة لا يعتمدها المجتمع إلا بتعبير معترف به ومتراض عنه بشكل واسع،  وأن حقل ومحيط تأثير السبق لا يقبل التكرار، فإن التطور يفرض نفسه إيجابيا أو سلبيا، وأصبح التطور السلبي ينمو بشكل سريع، الشيء الذي يجعل الفعل الثقافي الإيجابي لا يتجاوز مصدره. بطبيعة الحال فالديمقراطية كما قال فرانسوا ميتراند: " هي كذلك حق مؤسساتي في الغباء".

الثقافـة والرقابـة

إدراك ما يحيط بالثقافة من مخاطر وظواهر ثقافية سلبية، يبرر منطق الحاجة إلى الرقابة، لكن ليست تلك الرقابة التي تمارس بالمنع وبشكل يكبت الحريات باسم الضمير، بل يتعلق الأمر بخلق آلية تطبق بشكل رفيع للتقليص من بعض الحريات، وذلك بعدم تشجيع بعض المظاهر المضرة بالنشاط الثقافي، أي التقليص إلى حد ما من حرية التعبير بالنسبة لأشباه الفنانين والمبدعين في جميع المجالات، بالطبع ليس كل الفنانين على قدر سواء في خدمتهم للمجتمع. و حين نقول فنانين فإننا نستحضر العباقرة الذين صنعوا و أطروا شعوبا راقية و رفيعة. وكذلك يجب التفكير في مستقبل الذين صدّقوا أنهم مبدعين كبارا، لكن مستواهم ظل دائما ضعيفا و لم يشكل وجودهم إلا ثقلا على مجتمعاتهم، ناهيك عن دورهم السلبي في تأطيرها. لكن، يجب الانتباه الى أن أينشتاين و بيكاسو و نيتش تعرضوا للرفض و اعتبروا بدون قيمة قبل أن يثبتوا العكس.

الثقافة والسمعي البصري

دشن تطور السمعي البصري نموذجا جديدا لمجتمعات تنتج ثقافة جد متطورة دون أن تكون كليا، في حاجة إليها، مجتمعات الفرجة. ما أدى إلى تحويل البحث التقليدي عن معنى الأشياء وعن إمكانيات تحيين مختلف المعاني الكونية، والتجارب الإنسانية، إلى نزوات حينية ومتعة متواضعة تسير نحو اللامعنى. فالمشكل لا يكمن في فهم معاني الأشياء، بل في إنتاج الأشياء التي تستحق البحث عن معناها.

في عصر السمعي البصري، أصبحت الثقافة خاضعة لتأثير هؤلاء الذين لاينحدرون من منابع اجتماعية مثقفة، وهنا يكمن التحول السلبي، هناك اجتياح لثقافة لقيطة بدون مراجع لا تتغذى من قطاعات المجتمع المعنية بالمعرفة و بتنمية الثقافة. بل بالقنوات الفضائية المختلفة بدل المدرسة، وبالصحافيين بدل نساء ورجال التعليم، وبالنجوم بدل الأمهات والآباء، هذا المشهد جعل الإبداع الغني بالمعلومات والمضامين والمعاني الحقيقية لا يتوفر إلا على أقل الحظوظ في الترويج و الرواج على مستوى الإعلام، بينما كل الحظوظ مع الأعمال الرديئة، والمرشحة بأن يكون لها صدى واسعا. إنه صراع بين الذكاء الغبي والغباء الذكي. فالذكاء الغبي يأتي بالخلاصات والدراسات ذات المضامين والمعاني الحقيقية ويعجز عن الوصول إلى العقول والأحاسيس، وبالتالي لم يعد له مكان وسط مجتمعات يسيطر عليها الغباء الذكي المنتج للأعمال الرديئة و يبدع في كيفية ترويجها إعلاميا و واقعيا، حيث يجد له صدى لدى العقول التي أصبحت مؤهلة لالتقاط كل ما هو مثير ويفتقد معنى.

أصبحت القنوات الفضائية تشكل الوسيلة الأكثر قوة لإغناء أو إفقار ثقافة الغد،  علما أنه لا يمكن إغناء الفكر بدون حوار و نقاش،  فإنتاج البرامج التلفزية لا يسير وفق مبدأ السمعي البصري الإنساني الذي بإمكانه المساهمة بشكل قوي في تنمية الثقافة. الفضائيات سلبت للإنسان كل الوقت الذي يمكن استغلاله في القراءة، علما أن لا شيء يحل محل الكتاب الذي يشكل آلية مهمة للمعرفة و التأمل، اللذان يساهمان في تفتح الفرد  و في تنميته. فالمجتمعات في حاجة إلى التأطير الكتابي والخطابي، وحده يخلق التقارب بين الفكر والفعل، و بالتالي تنمية الثقافة بالمعرفة الناتجة عن التأمل و المتعلقة بالإدراك  و الحب و الفعل. 

تعليقكم على الموضوع

عنوانكم الإلكتروني يحتفظ به ولاينشر *

*

x

آخر مواضيع

Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2