الديمقراطية العمالية

النفار ... حين تتحول الأزقة إلى ذاكرة صوتية

فاطمة الزهراء الوزاني⃰

لا يبقى من العمر الا الذكرى، مرت الطفولة، لكنها لم تغادرنا تماماً، فقد بقيت ممتدة في الزمن عبر تفاصيل صغيرة نحملها دون وعي، تفاصيل تصنعها العادات أكثر مما تصنعها الذاكرة الفردية. وفي دروب فاس كان صوت النفّار في ليالي رمضان أحد تلك الخيوط الخفية التي تربط الإنسان بطفولته، حتى وهو يظن أنه تجاوزها بأزماتها وافراحها.

ففي المدن العتيقة لا تُقاس الأزمات دائماً بحجم الخراب المادي، بل بمدى ما تتركه من آثار في الذاكرة الجماعية. وفي فاس، يظهر النفّار باعتباره أحد أشكال تحويل الأزمة اليومية إلى معنى إنساني مشترك، حيث يتحول الصوت إلى وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والزمن والمجتمع.

لقد ظهر  النفّار في سياق تاريخي كانت فيه الحياة الحضرية تواجه تحديات مستمرة: غياب وسائل القياس الدقيقة للوقت، هشاشة شروط العيش، والحاجة إلى تنظيم جماعي يضمن الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي. كانت الأزمة هنا أزمة تنظيم وزمن، لكن المجتمع لم يواجه تلك الأزمة  بالتقنية بل بالإنسان نفسه. فاختار أن يمنح فرداً مهمة حمل الصوت نيابة عن الجماعة.

من هذا المنظور، يصبح النفّار ممارسة مأنسنة قبل أن يكون طقساً رمضانياً؛ لأنه يعيد مركزية الإنسان داخل النظام الاجتماعي. فالأنسنة، في جوهرها، ليست خطاباً نظرياً بل فعلٌ يعيد الاعتبار للعلاقات الإنسانية بوصفها أساس التنظيم الاجتماعي.

فمشروع الأنسنة يقوم على تقليص المسافة بين الإنسان والمؤسسات الصلبة، واستبدال منطق التحكم بمنطق الرعاية الجماعية. النفّار يمثل نموذجاً مبكراً لهذا التصور؛ إذ لم يكن يفرض سلطة، بل يخلق توافقاً زمنياً عبر الصوت. لم يُوقظ الناس بالأمر، بل بالنداء.

الصوت هنا ليس تقنية، بل علاقة. إنه شكل من أشكال الاعتراف المتبادل: المجتمع يعترف بالنفّار كخادم للذاكرة الجماعية، وهو بدوره يعترف بالجماعة عبر حضوره الليلي المستمر.

حين تتحول الحاجة أو الأزمة إلى طقس جماعي، فإنها تفقد طابعها الفردي وتصبح تجربة مشتركة. وهذا ما يحدث حين يخترق صوت النفّار الدروب الضيقة؛ فالأزمة الفردية للاستيقاظ تتحول إلى لحظة جماعية يعيشها الجميع في الوقت نفسه.

وفق منظور الأنسنة، فإن المجتمعات الإنسانية لا تتجاوز أزماتها عبر الإلغاء، بل عبر تحويلها إلى معنى. والذاكرة الصوتية التي يصنعها النفّار هي بالضبط هذا التحويل: تحويل الحاجة البيولوجية إلى تجربة ثقافية، وتحويل الزمن إلى رابط اجتماعي.

لكن مع الحداثة الرقمية أصبح الزمن شخصياً، محصوراً في الأجهزة الفردية. اختفى الصوت الجماعي وحلّت مكانه التنبيهات الصامتة. هنا يظهر سؤال الأنسنة: ماذا نفقد حين يصبح الزمن بلا ذاكرة مشتركة؟

إن استمرار النفّار، ولو رمزياً، يمثل مقاومة هادئة ضد اغتراب الإنسان داخل المدينة الحديثة. فهو يعيد إنتاج الإحساس بأن الحياة تُعاش مع الآخرين لا بمعزل عنهم. بذلك يتحول النفّار إلى رمز لأنسنة المجال الحضري، حيث يستعيد الفضاء العام بعده العاطفي والاجتماعي.

لهذا مشروع الأنسنة لا يعني العودة إلى الماضي، بل استلهام آلياته الإنسانية. فمدينة المستقبل ليست تلك التي تلغي تقاليدها، بل التي تعيد قراءة وظائفها الرمزية. والنفّار يقدم درساً سوسيولوجياً عميقاً: يمكن للمدينة أن تُدار بالصوت الإنساني بقدر ما تُدار بالتكنولوجيا.

إن أنسنة المدينة تبدأ حين نعترف بأن العمران ليس حجراً فقط، بل شبكة من الإيقاعات المشتركة التي تمنح الناس شعوراً بالمعنى. وفي هذا السياق، يصبح النفّار أكثر من تقليد؛ إنه استعارة لمدينة تُقاوم فقدان إنسانيتها عبر الذاكرة الصوتية.

⃰ أستاذة الفلسفة

تعليقكم على الموضوع

عنوانكم الإلكتروني يحتفظ به ولاينشر *

*

x

آخر مواضيع

Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2