الديمقراطية العمالية

ارتفاع كتلة الأجور بالوظيفة العمومية طرح مجانب للصواب

محمد نادير

يناقش في هذه المقالة التحليلية، الخبير المالي والباحث الاقتصادي محمد نادير، اشكالية ارتفاع كثلة الأجور مقارنة بالناتج الداخلي الخام، التي قدمت كمبرر يقول لتقليص التوظيف وعدم الزيادة في الأجور، ويقدم في سياق بحثه هذا، تصورا يدحض استنادا إلى مقارنات وحقائق ومعطيات المبررات والأنساق التي تُسوّق لهذا الطروحات التي يعتبرها نادير، من وجهة نظره، مجانبة للصواب.

وفي ما يلي نص المقال

في السنوات الأخيرة كثر الحديث عن ارتفاع كثلة الأجور مقارنة بالناتج الداخلي الخام،  وقدمت هذه المقاربة كمبرر لتقليص التوظيف وعدم الزيادة في الأجور.

من خلال هذا الموضوع سنقوم بدحض كل المبررات والأنساق التي تروج لهذه الطروحات.

I)- عدد مناصب الشغل المحدثة :

خلال كل مشروع قانون مالية تقدم الحكومة مبرر ثقل كثلة الأجور في الميزانية لتبرير تقليص التوظيف من سنة لأخرى. فعدد المناصب التي أتى بها مشروع قانون المالية 2021 تبلغ 21256 منصب مالي الجزء الكبير منها مخصص لوزارة الداخلية والصحة وإدارة الدفاع الوطني أي 18254 منصب شغل وبنسبة 86%  ونقدم في الجدول التالي مقارنة لمناصب الشغل المحدثة في قوانين المالية الثلاث الأخيرة مع نسب التراجع الحاصلة:

السنوات

عدد مناصب الشغل المعلنة

نسب التراجع السنوي مقارنة

ب 2019

2019

25.572

 

2020

23.112

-9,6

2021

21.256

-16,88

ولم يخصص لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي إلا 1044 منصبا ماليا مقارنة ب 1069  منصبا سنة 2020 أي بنسبة تراجع تبلغ 2,34 %  وبنسبة إجمالية تبلغ 4,9 % من مناصب الشغل المحدثة.

II)- كثلة الأجور وحجم الموظفين بالمغرب:

1-  كتلة الأجور:

بلغت كثلة الأجور سنة 2020 دون احتساب مساهمات الدولة في إطار أنظمة الاحتياط الاجتماعي والتقاعد حوالي 119 مليار درهم مقارنة ب 112 مليار درهم سنة 2019. وقد شكلت نسبة الأجور من الناتج الداخلي الخام نسبة %9,95  سنة 2019 بعدما كانت تشكل نسبة 11,40 % سنة 2012 مما يوضح تراجع كتلة الأجور مقارنة بالناتج الداخلي الخام وهو معدل يتمحور حول نسبة 10% داخل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCDE وعلى مستوى دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENA.

إن النسبة المحققة بالمغرب قريبة من النسب والمعدلات العالمية والمحققة داخل الدول الشبيهة عكس ما يروج له بتهويل وتخويف لرفض رفع نسب التوظيف أو الزيادة في الأجور والتعويضات خاصة في القطاعات الاجتماعية التي تعرف خصاصا كبيرا.

2)- عدد الموظفين

إننا في المغرب نلاحظ:

- تراجع نسبة عدد موظفي الدولة مقارنة بعدد السكان من 1,74 % إلى 1,59 % سنة 2019.

- تراجع نسبتهم مقارنة بإعداد السكان النشيطين من 5,03 % سنة 2013 إلى 4,66 سنة 2019.

ومن خلال وضع مقارنة ببعض الدول في الحوض المتوسطي لعدد الموظفين نسبة لعدد السكان فإننا نجد:

الدول

عدد السكان بالمليون

عدد الموظفين

المغرب

35,5

546.549

تونس

11

670.000

تركيا

82

3.400.000

مصر

98

5.000.000

فرنسا

70

5.500.000

من خلال هذه المقارنة يتضح بشكل جلي الضعف الكبير لعدد الموظفين المغاربة مقارنة بعدد السكان مما يفسر الخصاص المهول الذي تعرفه بعض القطاعات العمومية التي تؤدي الخدمات العمومية مثل: الصحة - التعليم ... فمثلا عدد موظفي قطاع الصحة يبلغ في المغرب 51000 موظف لساكنة تفوق 35 مليون نسمة مقارنة ب 74000 بتونس لساكنة تبلغ 11 مليون نسمة ونفس الشيء لقطاع المالية الذي يبلغ عدد موظفيه حوالي 18000.

III )- مقارنة كتلة الأجور بالناتج الداخلي الخام:

 إن منطق التمويل الذي نتعامل به فيما يخص ارتفاع عدد الموظفين العموميين وكتلة الأجور مقارنة بالناتج الداخلي الخام كمبرر لعدم التوظيف والزيادة في الأجور لا يستند على أي أساس علمي أو تصور عميق للإشكالات الاقتصادية والاجتماعية العويصة التي يعرفها المغرب.

فمقارنة كتلة الأجور بالناتج الداخلي الخام هي مقارنة تجانب الصواب وذلك للأسباب التالية:

1-  الناتج الداخلي الخام بالقيمة الإسمية بالمغرب لا يتضمن في طريقة احتسابه كل القطاعات الاقتصادية خاصة القطاع  غير المهيكل (25% من الاقتصاد الوطني ) وتغيب عنه قطاعات أساسية وجد مؤثرة في الدورة النقدية الوطنية.

2-  ضرورة تعيين المحاسبة الوطنية بالمغرب وتغيير سنتها الأساسية Année de base لكي تعبر بشكل معين وواقعي عن الحسابات السنوية مثلما فعلت نجيريا ودول أخرى فتغيرت حساباتها السنوية وصارت أكثر تعبيرا عن الواقع المحاسباتي الوطني وتحولت بذلك معطياتها بخصوص احتساب وتشكيل بيانات الناتج المحلي الخام.

3-  عدم الأخذ بعين الاعتبار وزن القدرة الشرائية عند احتساب الناتج الداخلي الخام، فالناتج الداخلي للمغرب حسب صندوق النقد الدولي في كلتا الحالتين هو مبين في الجدول التالي :

السنة

الناتج الداخلي

الناتج الداخلي PPA

2018

118 مليار دولار

314 مليار دولا

باحتساب القدرة الشرائية نجد الناتج المغربي يبلغ 314 مليار دولار أي نسبة 2,66 مرة الناتج الداخلي بالقيمة الإسمية وهي نسبة جد مرتفعة مقارنة بالدول النامية أو الصاعدة أو حتى المتقدمة على السواء مثلا معدل اسبانيا 1,3.

4-   إذن لو أخذت هذه المعطيات بعين الاعتبار عند احتساب الناتج الداخلي الخام ستتغير المعطيات وسيرتفع الناتج الداخلي بالضرورة ولن نجد أي مبرر للتمويل من كتلة الأجور وستنخفض بالطبع مقارنة بالناتج الداخلي مما يوجب فتح باب التوظيف بأجور معقولة لسد الخصاص المهول الذي تعرفه الخدمة العمومية خاصة وأن نسبة الأجور ستظل تتمحور حول نسبة 10%.

تعليقكم على الموضوع

عنوانكم الإلكتروني يحتفظ به ولاينشر *

*

x

آخر مواضيع

Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2
Test 2